سِر (قصة)
إن الأموات ينظرون من السماء لأعين
الناس، وما يؤرقني في هذا أننا لم نرمي بصرنا في غمرات السماء، لعلّ نجماً يحيد
بجماله عنّا ليكشف لنا حبيباً فقدنا او كريها تلافى..
إنني اشتهي ان اطير في السماء، واحلق بجانب سرب الطيور، واطفو عائماً بين الأرواح
الطاهرة، والنجوم المتلألئة، والقمر المنير، والغسق المهيب.. في طيّات هذه الدنيا
أتمنى أجد دنيا غير دنيتنا، وحياةً غير حياتنا، واشياءٌ تشابه شجرة الحياة بيْد ألا
تكون شجرة..
أمَلُّ دوما من عادات الأشياء سوى إنّي لابدٌ على عيشها، ولا أنزع على تركها، لقد
جُبلنا عليها جميعاً، ولكن.. وفي لجّة القلب وخضخضته، تلبث درّة وحيدة، تغني بصوتٍ
خافتٍ، عن عادِةٍ ليست كعادتنا.. الدرة التي تهمس: أنا ما تريد.. فخذني وهُبني الى
حضنك، الى قلبك..
في شق الصباح من اضاءة الشمس، سرتُ
خارجاً من منزلي متجهاً الى سيارتي، ومستمعاً لزقزقة الطيور وهي تغرّد، ولقد اضافت
مع فلق الإصباح الأشجارَ الخضراء حول الحي، الجنة التي يريد بها المرء ان يتأملها
على الأرض، ويسكنُ منصتاً للأجواء الهائمة في كل الأركان..
زفرتُ هواء رئيتيّ بقوة، تلتها ابتسامة راعتها السكينة، قبضت على مقبض باب السيارة
ودخلتها، أدرت المحرك ودوى صوت محرك السيارة، ولكنه لم يصدع حِس الأصوات بالخارج..
حرّكت السيارة ولمّا تقدمت كأنّي حسستُ اني صعدت مطبّاً، فلم اعبأ حتى سمعت صوت
مواء شقّ ركود الهيام في الخارج، والداخل..
خرجت من السيارة لأجد قطةً صغيرةً تهز اقدامها وتقذف روحها، بعدما دعستها بعجلة
السيارة، لقد أقلعتُ عينها من ثقل الضغط على جسدها الضئيل، وانبجست مع تلك الدعسة،
دماءٌ فلحم فروح.. شاهدتها تهز، وتركل، وتتلوى، حتى سكنت افعالها تدرجا الى وصول
أمها إليها، فسكنت تماماً، بل مُطلقاً.. فنظرت أمها اليّ بعينٍ لم أرها في حيوانٍ
من قبل.. وما نالني في هذه الحادثة، ليس موت القطة الصغيرة، ولا تمعّن نظرات أمها
علي وعليها، بل أن الحياة دائبة على تغاريدها وصدحها في الخارج.. ولكن ليس ابداً
في قلبي الذي كان مندمجا معها.
بدأت الأم بلعق جثة ابنتها، وعيناها
تترصدني، وتراقبني، وكأنها توخزني، سوى أنها في غمرة السكينة.. أهكذا يعبّر
الحيوان عن ألمِه؟ بأن يكون صياحه مماثل لِما تكون عليه الطبيعة حوله؟ لِما تكون
البيئة حوله..؟
نظرتُ الى الأجواء الصادحة بزقزقة
الطيور مجدداً، قلّبت بصري لعلّ بصيرتي تحيلني الى ان أكون حيواناً يعبّر عن الآمه
كما تعبّر الأم عن جثّة ابنتها القطة.. ولمّا نائت أمها عنها وهي ترمقني، دنوت
لجثة أبنتها، ولكنها اسرعت نحوها، فنحت عنها ولم اتقهقر، بقيتْ ماكثة بين جسدٍ
نحيل ميتٍ يرتقب ان يدلف الى كنف أمه، الى حضن أمه..
عدت الى السيارة وخرجت حذراً على ألاً أخطأ مرتين، ولمّا سرت مسافة قطع، ذعرت من نفسي
حينما لم يطوى الحزن على كبدي حينما قتلت قطة! وتوجست على إني لم اكن إنساناً يفعل
الخير كما يتطيب الخير بُدنه..
اكثر من عشر ساعات خارج المنزل بين تعاقب المشاعر.. سعيد، فرح، حزين، ضحوك،
متفاءل، متأمل، تعاقبتني مشاعري باختلافها سوى إنني لم أعد استذكر جثتها، لم يعد
إحساس الضمير يؤنبني، بل لم يكن له مكاناً في قلبي منذ قتلها..
عدت الى المنزل، لم أرى جثتها، لقد "لقطها" الحارس، أو لقّطتها أمها
بلحمها المتناثر..
وقبل أن ادخل الى باب المنزل الخارجي، إذ بمواء يصدر من خلفي، فالتفّ رأسي فرأيت
الأم تنظر اليّ قاعية، ثم التففت بجسدي كله وقلت: أقسم إني لم أعمد على قتلها!
مازالت مستمرة في النظر.. تأففت ودخلت المنزل، مرت ثلاثون دقيقة فنسيت الأمر،
تعالت أصوات اذان العشاء، فخرجت فتذكرتها، لكني لم ارها، نهيتُ صلاتي فوجدتها
قائمة عند عتبة الباب الخارجي.. فتوقفت احملق فيها.
فالتففت لأرى أجواء الهيام في ظلمة الليل، ولكنّ السكون اكتنز المكان ولبث فيه..
شرعت اسير نحوها بهدوء حتى وصلت قبالها، عيناها في عيني، وجسدها مقابل جسدي، قِعتُ
بالأرض ومددت يدي نحوها، فسارت ثم تجاوزتني ولمّا باتت جانبَ جسدي، نظرت اليّ
ونظرتُ إليها، فتعاقبت الابصار ببعضهما البعض، ثم تركتني حائراً في نفسي..
استمر هذا التكرار حتى بتُّ اجلب لها طعاماً، واقعد معها على قارعة الطريق الى ان
وصل الأمر أني احدّثها..
ووصل الأمر ان اسهر معها دون إطعامها، بل كنت أقعد معها واداعبها على الرصيف، وفي
حدقتها اسرار أحاول فضّها وكسر اوصادها ..
لقد أدركت انها لم تعد تموء البتّة بعد موت ابنتها، صارت.. فقط.. تعيش..
حتى مع ملاطفتي إياها، حتى بعد إطعامها، حتى بعد كل شيء، لا تزال الأم.. ترمقني
بنظرات أحاول فهمها..
مع مضي الوقت لم افهم محاولاتي التي تستدرج القطة، أهي لإشفاقي عليها؟ أم لإسكات
ضميري الذي لم يؤنبني قط..؟
قد غشى أليل الليل الكون بأسره، والنجوم لازالت تُبصّم بنورها الضئيل، لمحت ببصري
من نافذتي الأم وهي على قارعة الطريق، فخفت ان تُدهس وتلقى ما لقت ابنتها..
خرجت من المنزل وحملتها الى ومشيت مسافة تبعد عن منزلي السبع دقائق، حتى وصلت الى
حديقة ثم أنزلتها فيها، لكني رمقت عينها، لكن كانت مختلفة عن كل الأوقات، ولم أدرِ
لما حسست بلزامٍ غريب يجبرني على المكوث معها، فسلمّت نفسي لهذا الإلزام فمشت حتى
وصلت قرب إنارة يسطع ضوئها على بقعة دائرية، تتفرع منها مسارات لسائر الحديقة..
ساقتني الأم حتى ربضت فيها فالتفّت إليّ وانعكست حدقتها إليّ، سوى إني والله وكأني
أرى تلألأت النجوم تتفاوت في ابعادها، ومن ثم.. طُفأت الإنارة وبقت عيناها تضيء
المكان، والليل غاسق والأرض هامدة.. والهواء بارد.. والأنفُس حارة..
موسيقى
قُلت: أرى انك لم تجلبيني هنا سوى
لفضّ أمرٍ ما، أومَا تنثرِ ما يخالج ذهنك ايتها الام الحانية؟
بقت تحدق، فقلت: أو تريدي أن انزع اغلالي وثقب ما يكبد خاطري؟
فمالت رأسها، فابتسمت: لك ما تريدين، عدى انك ستخبريني عما يدور بخاطرك.. (دنوت
منها مادّاً يدي لها) اتفقنا؟
فرفعت يديها ولمست بيدي فابتسمت قائلا: هذا وعد.. اذاً، ما الذي يبدر في ذهني ولا
اشاركه..؟ لربما أكثر من سبب، منها أسباب الحياة، عمل، عائلة، مشاكل مالية،
الدائرة التي تصيب كل البشر، ما يفيض في خاطري من هذه الأشياء من شيء سوى اني اقدر
على تجاوزها.. على الأقل هذا ما أرى في نفسي (نظرتُ لها وما زالت مستمرة بالتحديق)
فأكملت: أُحادث حيوانا كأنه يعي ما أقول، وإن رأني إنساناً لمَا خاب ظنه عن
جنوني..
احب الحياة يا قطة، أو يا أم.. او امي.. (سخرت عليها) أقَلَق الأمهات الحيوانات يتساوى
مع قلق أمهات البشر؟ لا ادري، ولا اظنه يلفتني..
(تعمّقت النظر في جسدها) بيضاء، ولوناً رمادي يصبغ جهة رأسك اليمنى، لكنّ عيناك ما
لفتني، خضراء ناصعة، أعني بنُصعِ الضوء، اتشوّف ان اغور فيها أحيانا.. وألفُظَ ما
يعكّر بالي إلى عينك، إنني لم ادرِ لِما ارافقك، واطعمك، اعتقدت إنها بسبب الشفقة،
ولكني لا اشفق عليك، او من تأنيب الضمير، لكن ضميري لم يتشجّى على ابنتك، او من
حبي للحيوان، ولكن حبي للحيوان هو حبٌّ لا يخدم مصالحك في اطعامي لك والاعتناء بك،
إنني احبهم فحسب، دون تعلقي بهم بما يُراد اقتنائهم..
لقد.. قتلت ابنتك عن غير قصد وهذا باعترافي لك،
ولقد تصدّقت بنيّة خير في ان يسامحني الله على قتل نفسٍ لم ارِد هدر دمها، بل حتى
إني قلقت على نفسي حينما ظهرت الحياة بسرعة وأخفت شعور مساوئ جريمتي بعد اقترافها
ببضع ساعات!.. أنا إنسان جيد.. اعتقد..
ما تعتقدي انتِ؟
ماءت.. لقد ماءت فجأة مما اذهلني،
فقلت متعجباً: لا اله إلا الله! أهذا ما تعتقديه فيّ؟!
فأعادت موائها فأكملتُ: هنالك سرٌ في داخلِ عينيك اريد أن اعرفه، أرى انك تفهمي ما أقول،
فهل تفهمي عنّي إذاً ما يتمناه قلبي؟
فتحركت حتى وصلت قبالي، ثم لعقت يدها، وتمطّت ثم عطفت على ساقي وألصقت جسدها فيه،
فعادت في نفس بقعتها وتصلّبت مجددا وهي تحدق فيّ، فقلت: أعتقد انك تفهميني..
درّة.. سأسميك درّة.. لا بسبب درة الصدف فحسب، بل لِما فيها من تآلفٍ مع كلمة
"تدري" ..
درّة.. إذا قتل الانسان إنساناً وأفصح عن قتله أمام اقرانه، فلن يعقب بحمدٍ
أبداً.. ولكن ها انا هنا افصح وافضح عن قتلي لأبنتك البريئة، على بشاعة وهول اقترافي،
إلا أني اجدكِ تتعاطفين معي، كنت أتساءل كيف يعبر الحيوان عن الألم، هل تعبرين عن
ألمك بالتصاقك لقاتلك؟! أم ماذا؟ أتدري ما الذي سيحدث في الناس عامةً إذا كانوا
يعبرون بتعبيرك عندما يُقتَلُ أحد اقرانهم؟.. حتى أنا لم افكر بها..
عيناك، أتبصر الأموات؟ أترى الحياة كما نراها نحن؟ أترى روح ابنتك عائمة بجانبك؟
إنما هي عادةً ليست كعادتنا.. درة.. اخبريني.. كيف أمسي مثلك؟ كيف أتجاوز مثلك؟
كيف أنعي ميتاً حبيباً مثلك؟ ألعَقُكِ يفصح عن النعي؟ أم يبرز الأسى؟ أم إن الحياة
كلها في نظرِك خضراء مثل لون عينيك؟ فلا أسىً يصيب ولا فرحٍ يجيب..؟
ثم وبهدوء.. التفت درّة الى الطريق وفجأة ركضت وقفزت وإذ بسيارة مسرعة تصدمها..
وأنا انظر بصدمة، قد قشعرت بُدني كله، وما زاد حيرتي إلا أن صاحب السيارة لم يشعر
بما صدم وأكمل طريقه..
درة.. بجسد مهشم على قارعة الطريق، لقد تناثرت دماؤها في اركان الشارع.. هرعت إليها
ورأيتها تلفظ أنفاسها الأخيرة فصرخت: لماذا؟! لماذا!؟
وإذ بالصدمة التي هالت كياني كله، إذ أسمعها تلفظ قولاً يقول: ألمٌ.. دائم..
تقهقرت مفجوعاً، وماتت في لحظتها تلك.. ومن ثم، هبط غراباً فوق الإنارة التي كنا حولها
أنا ودرّة، سوى إنه فورَ هبوطه فوقها، أضاءت الانارة مجدداً..
تعليقات
إرسال تعليق