لقد أنصَتت..
عازف يسرد نهاية بلاده:
"إنما جرى في بلادنا في هذا اليوم النِّحس، هو انحدار في كينونة نفوسِنا
العزيزة، بعدما كنّا نعلَم من نحن، بِتْنا نطلب الغرباء ان يحثّوا التراب عنّا حتى
يعلمونا..
تفاقمت الأمراض حتى فُجَّت الأرض عن عرَضٍ نجَم عن ذريعة بَعْثِنا للبلاء، فأمرضْنا الأرض وأسقمناها، ولم تبدُ في حاجةٍ ليدانا سوى إننا أولجنا ما فينا عليها، كل شيء نلمسه، كل شيء!.. يضحى دنَوِّ النهاية..
لقد طارت العصافير في سرابٍ عظيم، تبِعتها
فصائل من جميع أنواع الحيوانات، ولكنّ الناس نِيام بما رأوا، بل إنهم لفي سكرةٍ عن
نُذُرٍ يتبدّى من كائنات أدْنى.. إنها تنادي، وتروم عن مقر البلاد، وتعِدُ
بالفراق، وتلجأ للفرار.. تساقطت الأمطار عن وابلٍ حام.. لم تفتح السماء مياهها على
الوجود كُلٍّه بماء حار، وقد بصرتُ على تربة الأرض، وهضابها، وسهولها، لقد أشعلت
المياه النيران بعدما كانت سبباً لإطفائِها.. والناس لا يزالوا.. نِيام..
إن الكون كله ينادي، اهرب! يصرخ.. انجو! يبكي: أحْيا..
على ما بدى من تلك العلامات والاشارات، حتى حالت الى أسوءِ أحوال، حتى غمرت
الامطار كل شيء، وجرّت كل شيء، واغرقت كل شيء، حتى ما بقى سوى موج كالجبال يطوي ما
فاته، ويقلّب كل منقلب.. ارتأيت ان أقِف على قمة الهضبة.. أبصر ذلك الوجود الآسر،
تاريخ، حضارة، ثقافة، لغة، كُتب، وبشَر، أبصرتُ فيهم لآخر مرة، اغرورقت دموعي ثم تذكرت،
وأنا اسمع دويّ غاضب من كل حِزْ، لأعزف لهذا المشهد، لعلّ الزمن يبطء، لعل الغضب
يسكن، لعل المياه تنصت!
فضربت العود، وعزفت غافِلاً عن مدارك
الإدراك في كيفية العزف، كلما أردته هو ان اضرِب، هو أن أُسْمِعُ الكارثة شدو
الصوت، أن أتغنّى بالألحان، أن أترنمّ بشجي الحِسْ، أن اجعل الكارثة تنصت لي، لعلّ
العذاب يصيب من لا يسمع، او يجنح لمن يسمع ويبقى ما دون ذلك..
حتى.. انبثقت المياه من تحت الهضبة،
فانفجرت بمياهٍ غزيرة، سوى إنها حاطت بي دون ان تغمرني، وكأنها تلتف حولي، وترفعني
من قدمي، وكأنها تسمعني، وكأنها تُطْرَب إبّان غمرات الأسى، وكأنّ الكون كله يصرخ:
أنشِد أيها العازِف! انشِد!
فلما حسستُ بِحسِّها عن عزفي لها،
توَقْفَت.. فغمرتني المياه، وأثقلت بدني كله.. بْيد أن أدمعي كانت تظهر إثر المياه.."
النهاية
تعليقات
إرسال تعليق